السيد محمد حسين فضل الله

19

من وحي القرآن

يوجّه الإنسان بعيدا عن كل خلجات المشاعر ، ونبضات الأحاسيس ، ليربطه بالفكر الذي يتأمّل ويحلّل ويناقش ويستنتج ؛ كيف جاء الليل ؟ وكيف أقبل النهار ؟ وكيف تتحرك هذه الظاهرة الكونية في نظام مستمرٍّ دقيق لم ينحرف عن مساره بمقدار شعرة ، بالرغم من تقادم السنين ، فيشعر بالرهبة أمام هذا التدبير المحكم ، ويقوده ذلك إلى جاعل الظلمات والنور بالحكمة العميقة ، والإبداع العظيم ، وينطلق الإيمان باللَّه في فكره وقلبه وضميره ، كمثل الشعاع الذي يتدفق به النهار ، وكمثل السكينة الوادعة التي ينساب في روحانيتها هدوء الليل . . . وهذا هو شأن الذين يفكرون ويتدبرون وينفتحون على كل ظواهر الحياة من خلال التجربة المتحركة اليقظة في كل ما يبصرون ويلمسون ويسمعون ، بحيث يتحول ذلك إلى فكر وعلم وإيمان . . وهم المؤمنون الذين لم ينطلق الإيمان في كيانهم من موقع التقليد الساذج الذي يحاكي فيه الأبناء الآباء ، بل من موقع المعاناة والجهد والحركيّة الإنسانية في خطوات الحياة . أمّا الذين يغلقون أبصارهم عن النور ، وأسماعهم عن الهدى ، وتجربتهم عن الانفتاح ، فلا يمرّون بالأشياء التي من حولهم إلا كما يمرّ الأعمى الذي يحدّق في الظلام بعيون مظلمة باردة ، لا توحي له إلا بالمزيد من الظلام في تهاويل الأشباح . أمّا هؤلاء ، فإنهم لا يرون في حياتهم ، حتى أنفسهم . . لأنّهم إذا أبصروا أنفسهم أبصروا ربّهم ، بعين بصيرتهم ، بل كل ما يعرفونه من أنفسهم هو حاجاتهم الحسّية ، لذا فإنهم لا يؤمنون باللَّه ، بل بما يصنعونه من شركاء يغذّون فيهم جانب الحسّ ، ويشغلونهم عن التفكير بما وراء الأشياء ، بالاندفاع إلى اللذة التي تحملها ظواهرها . وقد أثار البعض الحديث عن مسألة مخلوقيّة الظلمة ، وهي عنوان عدمي ، لأنها تعبر عن عدم النور فكيف يكون العدم مخلوقا . ولكن نرى أنه ليس لهذا الكلام موقع للإشكال ، فإن المقصود - في التعبير البلاغي - أن